عالمٌ يحمل مكان رأسه حوضا!

عالمٌ يحمل مكان رأسه حوضا!

 

من الخطر أن يكون المرء أديبا. نحن قوم حالمون واسعو الخيال، مفرطو التفاؤل، متطرفو التشاؤم، نفلسف ما لا يُفلسف، نبحث عن الترميز في كل مكان، نجتهد في فك شفرته. ولهذا كله، نحن كائنات تصنع خيبة أملها بنفسها، وتبحث عن الأسى بملقط. هل أتجنى؟ اقرؤوا ما حدث لي.

كنت في زيارة لمتحفWellcome Collection  في لندن. كان متحفا طبيا عاديا إلى أن صادفت ذاك الهيكل العظمي؛ هيكل بلاستيكي مُصنّع لا يخيف البتة، معلّق بخيط معدني يتدلى من السقف. مهلا، يبدو أنه وقع وتفكك، وأخطأ عمال الصيانة في تركيبه! هذا الهيكل الذي ترون في الصورة يحتل فيه الحوض مكان الرأس، في حين هبط الرأس ليقبع مكان الحوض!

ويضج صدري بالفضول، ويحق لي ذلك فالمتحف يصف نفسه بأنه "مقصد لمن فضولهم لا بُرء منه". أبحث عن الموظفة لأنبهها إلى الخطأ، ثم يمور في صدري هاجس آخر؛ ماذا لو كان الأمر مقصودا؟ ماذا لو كان الفنان الذي صنع الهيكل ركّبه هكذا ليوصل رسالة ما. أتراجع عن مناداة الموظفة، أتراجع حتى عن الرغبة في سؤالها عن السر الذي قد يكون الفنان قصده، التقط صورة، وأعاهد نفسي على التأمل في المسألة.

آها! الآن أدركت معنى العبارة القابعة خارج المتحف: "كلما تمعنت فيه، ازدادت مخالفته للمألوف". الشيء الرائع حقا، الأصيل في روعته، يزيدك دهشة كلما تمعنت فيه، روعته لا تنضب، ومعانيه لا تنقضي، إنه المعنى المتجدد الذي لا يندرس.

حسنا أيها الفنان الغريب، ماذا كنت تقصد يا ترى؟ لماذا تبادل الحوض والرأس مكانيهما؟

وتلمع الفكرة في رأسي، وأشهق شهقة دهشة منعشة ولذيذة. وجدتها، وجدتها! ألا نتبرم بأحوال العالم فنقول أن العالم مقلوب، العالم يقف على رأسه، العالم يمضي رأسا على عقب. ها هو العالم يعتدل، إلا من فرق بسيط، فريق صيّر الحوض بكل ما يرمز إليه من شهوات الإنسان (شهوة البطن وشهوة الفرج) صيّره مكان الرأس، مكان العقل. أما الرأس، قائد الحكمة، فقد تهاوى إلى مكان الحوض، إلى مكانة وضيعة وهامشية. إنه عالم خدّاع، يبدو لك سويا، يمشي ويجوب ويبطش، يخيفك رأسه الكبير الممدود لدرجة أنك تخشى أن تتمعن فيه لتكتشف أنه حوض استعلى. ألم يقل الشاعر عمر بن الوردي في لاميته:

اطرحْ الدنيا فمِن عاداتها *** تَخفض العالي وتُعلي من سَفلْ

لقد انخفض العالي (الرأس)، وحل محله ما سَفَل وضعا وموضوعا. وماذا كان اسم هذا العمل الرائع؟ Palindromeأو ما يسميه علماء البلاغة بالقَلْب، وهو يعني أنّ الكلمة أو العبارة الثابت نطقها، سواء أقُرأت من اليمين أم قُلبت وقُرأت من اليسار، كقولنا "سوس" أو "خوخ" أو }... كل في فلك ...{، أو "سر فلا كبا بك الفرس". أجل! هذا الفنان الطليعي يقصد أن العالم اليوم لا يفرّق بين اليمين أو اليسار، إنه عالم انقلبت فيه الأمور، عالم لا يعبا من أين يبدأ، عالم لا يستفزه أن يسقط الرأس، وأن تعلو الشهوات.

كنت مغتبطة جدا باكتشافي للسر، حتى أني ضننت على الناس به. قررت أن أبقيه إلى أن أكتبه مقالة عنه وعن الفنان العبقري الرؤيوي. وحين أنزلت شبكتي في شبكة الإنترنت لتدجيج مقالتي بمزيد من المعلومات عن هذا العمل الفني، جاءني الصيد والرياح بما لا أشتهي أبدا!

تبيّن أن الفنان وهو "وليّم كوبنغ" أنتج هذا العمل متأثرا برواية "معرض الفظائع" للكاتب "ج. بالارد". بطل الرواية وهو الدكتور "تراﭭِس"، يتخيّل أن عظام الحوض قد تكون بقايا جمجمة. وهذا قطعا مجرد خيال غير علمي، لكن الفنان استلهم منه عمله ليثير الانتباه إلى نظرية التطور التي ترى أن كثيرا من أجزاء جسدنا كان لها وظيفة مختلفة لدى "أسلافنا"، ثم تغيرت إلى ما هي عليه اليوم.

وخر السقف على رأسي، حتى كاد يخلع جمجمتي بما فيها! كل نظرياتي الوردية الطليعية، وتأويلاتي المَجيدة، والرموز والمقاصد التي اجتهدت في فكّها، كل هذا كان مجرد شطط أدبي!

أجل، إنها عين الأديب، ترى الأمور بشكل مختلف، تفسرها وهي معمورة بهم ما، وهي منزعجة من كل هذا الألم والمرض الذي يأكل العالم، ترى –وفي الوقت نفسه- تبحث عن نافذة خلاص، عن شبح شمس، عن فرصة قيد التكوين، تبحث بضراوة عن أشباه النور.

 

 

* * * * *

 

ليست خيبة الأمل الأولى، وليست المرة الأولى التي يورطني خيالي فيها في مواقف فكرية محرجة. السؤال إياه يطل برأسه مجددا، يطل بجمجمة عريضة كما لو كانت حوضا، ويصفعني سائلا:

لِمَ أنتم –يا معشر الأدباء وأخص منكم الروائيين- قوم نكدون؟ تبحثون عن الشجن في الأمور، تحمّلونها فوق وُسعها، تغمرونها بالتفاسير غير الواقعية؟ لماذا هذا الهوس بالمأساة والنقد والتشريح لديكم؟ أليست مهمة الفن (والأدب نوع من أنواع الفنون) أن يرصد الجمال ويأتي لنا بالبهجة؟

أمرّ على ذاكرتي، أحاول أن اعتصر موقفا كتبت فيه نصّا جيدا وكنت أشعر قبيل الكتابة أو أثناءها بالبهجة، وترتد الذاكرة إلى وهي حسيرة.

الروائي إنسان لديه هنا في رأسه مدينة فاضلة، بل مجرّة فاضلة، بل كون فاضل، ويتجرع يوميا واقعا مريضا. فكيف لا يتوجّع ويتفجّع؟ وهذا الشعور بالفجيعة يظهر على شكل الكتابة الروائية العابقة بالشجن. الأديب بالرواية يحاول أن يجسر هذه الهوة بين كونه الجميل وواقعه الدميم الذميم. وهو بذلك ينشد الجمال والاتساق والانسجام، شأنه شأن أي فنان، لكنه ينشده بحثا.

حينما نكتب النكد، فنحن نكتبه لأسباب عدة: نكتب القبح كي نوثقه ونشد الوثاق عليه. حينما نرى كل هذا القبح، فإننا نشعر بأننا شهود مطالبون على تدعيم شهادتنا بأكبر قدر من الدلائل. نصطاد القبح، ونلملم كل الأدلة من على مسرح الجريمة. وأحيانا نكتب القبح كي نسخر منه، وتارة كي نبغّضه إلى القارئ، وتارة أخرى كي نرصد سوء مآله، وتارة كي ننبه الأعين إلى القبح، فبعض البشر لا يدرون ما القبح، بل يشبّه لهم أنه جمال أحيانا!

أما أسوأ الأدباء، فهم جماعة الأمر الواقع، يكتبون ويشرعنون للقبح من حيث لا يدرون. هم مثلنا يتأسفون ويأسون، يبحثون عن الجمال، لكن كدّهم المسير، فاختاروا الطريق المختصرة. هم يقولون هذا هو الواقع المر، فانكفئوا في غياهبه مسرورين! هو أيضا بحث عن السرور، عن الجمال، وإن كان بالاستسلام والانصياع.

الأديب إنسان ناقم على الواقع، عقله معلق بشيء أفضل، بالماينبغيات. وهو حين يكتب، يحاول جسر الهوة بين الواقع المؤلم، والمأمول. هو يبحث عن الجمال في عالم اليقظة فلا يجده، فيحاول البحث عن مواطنه في عالم الخيال. وكي يصل إلى هذا، يضطر كثيرا إلى تصوير عالم اليقظة بقبحه وقيحه، فلا مفر من ذلك. وهو حين يفعل ذلك لا يقصد أن يكرسه أو يشرعن له أو يطبع معه، بل هو يجهد كي يستعرض قبحه، كي يدينه، كي يقتله بالفضيحة!

 

نشرت في مجلة "البيان"، العدد 541، أغسطس 2015، من صفحة 39 إلى 42.