ذكريات ليلة الانقلاب التركي

ذكريات ليلة الانقلاب التركي

رغم مضي السنوات والأعوام سيظل في الذاكرة عوالق لبعض الحوادث يتذكرها بين الحين والآخر ، لا تستطيع أيادي النسيان العابثة أن تقوم بفعلتها المعتادة بمحوها من الأذهان دون أن نعلم بها ، فتظل عالقة في العقل حتى يتوقف قطار العمر عن الحراك ، و يستذكر المرء هذه الذكريات للعبرة وأخذ الدروس منها ، فالذاكرة بيت الخلود لمثل هذه الوقائع وسجلها الموثوق به لدى كل فرد مهما حاول الآخرين التأثير عليه ، وقد سطر الكثير من الأدباء ذكرياتهم المختلفة في مؤلفاتهم التي تعرف ب "أدب الذكريات أو المذكرات الشخصية" وتعتبر من أجمل المطبوعات الأدبية وأمتعها ، وكتب الكثير من الأدباء الكويتيين جانبا من ذكرياتهم الثرية في مطبوعات قيمة ولعل آخرها كتاب ( ذكرياتي في الإسكندرية ) للدكتور عادل العبد المغني .

شاءت الأقدار أن أكون  متواجدا في اسطنبول ليلة المحاولة الفاشلة للانقلاب العسكري الذي وقع في يوليو الماضي حيث أنني كنت أقضي اجازتي الصيفية مع أسرتي الصغيرة فيها ، وقد عاصرت هذا الحدث التاريخي الكبير والذي تجسد بصلابة إرادة الشعب ضد جبروت الآليات العسكرية وعدتها ، وكشف أن صوت الديموقراطية يعلو على صوت الرصاص والمدافع ، و قد سطر أبناء تركيا التاريخ العظيم بكل عزة وكرامة ، وشاهدنا خروج الشعب الأعزل لتوصيل إرادته ضد جبروت العسكر، وسمعنا صوت التكبيرات التي كانت تنطلق من مآذن مساجد اسطنبول في منتصف الليل ، ولمسنا فرحة الأتراك بعد فشل الانقلاب ، وخروجهم للاحتفالات في شوارع هذه المدينة العتيقة ، ليبين أن هذا الشعب المسلم أعطى نموذجا يقتدى به في ممارسة الديموقراطية السليمة وفق تناغم مع الشريعة الإسلامية السمحاء التي هي صالحة لكل زمان ومكان دون تعسف .

فبالرغم من مخاوفي على أفراد عائلتي من تطور الأحداث والمواجهات المحتملة في تلك الليلة إلا أنني سعيد لتواجدي وسط حدث تاريخي لا يتكرر كثيراً ، فتفكير الأديب يختلف آحيانا فوجود موضوع نادر يساعده على الكتابة يعتبر مدعاة للسعادة رغم الخطر المحدق حوله ، فما تراه عين المثقف للحوادث يختلف عن نظرة الشخص العادي ، فالكل يدرك بأن  الحادثة سطرتها أقلام المؤرخين كلاً من زاويته ، ودونت في سجلات التاريخ التي سأرويها ويرويها غيري بأنهم شهود عليها ، فكم من حادثة في التاريخ قرأنا عنها في صفحات الكتب ولم نشهدها وجعل الخيال منها مسرحا لما وقع . 

وحيث أنني من عشاق كتب أدب الذكريات للشخصيات التي خدمت وقدمت لمجتمعاتها عبر التاريخ ، ولعل هذا الانقلاب الفاشل سيجد حيزا لسرد تفاصيله مما وقعت عيني وسمعت آذني في مشروع توثيق الذاكرة لمحدثكم بعد سنوات طويلة إن شاء الله  حفظاً للتاريخ وللأجيال من بعدي .