جائزة نوبل والأدب النسائي: أربع عشرة مبدعة فزن بجائزة نوبل

جائزة نوبل والأدب النسائي: أربع عشرة مبدعة فزن بجائزة نوبل

تعتبر جائزة نوبل التي تمنح لعدد من المتميزين في عدة مجالات في نهاية كل عام الأضخم والأكثر إبهارا في عالمنا المعاصر.  ترجع نشأة هذه الجائزة إلي عام ١٨٩٥ - أي منذ ١٢٠ عاما - عندما أوصي مؤسسها مخترع الديناميت الشهير ألفرد إمانيويل نوبل ( Alfred Immanuel Nobel) (١٨٣٣ - ١٨٩٦) وقبل عام من وفاته بتخصيص جوائز مالية سنوية من ثروته الهائلة آنذاك تًُمنح لمن بَرعوا في حقول علمية وأدبية محددة ولمن ساهمت جهودهم في انتفاع الإنسانية منها.   وكان من حسن حظ الأدب العالمي أن يكون من ضمن هذه المجالات.  وبعد مرور عدة أعوام من الإعداد والتحضير باشرت مؤسسة نوبل بمنح جوائزها في عام ١٩٠١ واستمرت علي ذاك الحال حتي يومنا هذا بالرغم من أن الحرب في أوربا إضطرتها لإيقاف أعمالها لبضعة  أعوام لكنها عادت قوية ومعافاة لتصبح من أهم وأبرز الهيئات العالمية التي تجذب إهتمام وانتباه العالم بأسره للتعرف سنويا علي نخبة مختارة من العلماء والأدباء بلغ عدد الحائزين عليها مئات من المبدعين من الرجال والنساء في تخصصات مختلفة حتي عامنا الحالي ٢٠١٥.      
 
في مجال الأدب والأدب العربي تحديدا، فقد سطعت أسماء أدبية رائدة، من رجال ونساء  ساهموا في إرساء دعائم ترسخت في الفكر والوجدان العربي بالتزامن مع حراك ثقافي نشط في مجالات الفكر والأدب والفن طال المنطقة العربية كلها خلال القرن الماضي.  فمن عالمنا العربي الفسيح برز عدد هائل من المبدعين والمبدعات في الأدب وتُرجم الكثير من مؤلفاتهم إلي لغات عالمية ولكن لم يحظ أحد منهم بجائزة نوبل في الأدب إلا أديب عربي واحد هو نجيب محفوظ ((Naguib Mahfouz) (١٩١١ - ٢٠٠٦) الذي لفت انتباه العالم كله إلي وجود كنوز أدبية رفيعة المستوي لاحصر لها في العالم العربي تضاهي وقد تتفوق علي مثيلاتها في الأدب العالمي. ففي عام ١٩٨٨ عندما منح محفوظ رسميا جائزة نوبل في الأدب منفردا - مُنحت الجائزة مناصفة لأديب وأديبة معا عام ١٩٦٦ -  ومُمَثلا عن الأدب العربي بمجمله وهو في السابعة والسبعين من عمره كان إيذانا بفتح أبواب التعارف الحقيقي والمتوازن بين الشرق الأوسط والغرب إذ نشطت الحركة الأدبية وازدادت الترجمات ومبيعاتها وتبنّت الجامعة الأميركية بالقاهرة (AUC) مشكورة متابعة الترجمة من العربية إلي الإنجليزية بحرفية وبتقنية عاليتين لعدد كبير من المؤلفات وأنشأت بعد ذلك جائزة أدبية سنوية عام ١٩٩٦ تحمل إسم نجيب محفوظ والمعروفة بميدالية نجيب محفوظ في الأدب (Naguib Mahfouz Medal for Literature) تُمنح سنويا لكاتب عربي مبدع.  ومن كلمة التكريم لمحفوظ في حفل نوبل عام ١٩٨٨ في ستوكهولم أََنْتقي هذه العبارات التي علي أساسها اختير محفوظ لهذه الجائزة وذلك : "... لأعماله الأدبية الثرية بأدق التفاصيل  - حينا تبدو واضحة وواقعية وحينا آخر مثيرة يغشاها الغموض - كلها ساهمت بالتأسيس لفن روائي عربي ينسحب علي الإنسانية بأسرها".
 
منذ البدء بمنح جائزة نوبل  عام ١٩٠١ كان نصيب النساء الفائزات في العلوم والآداب متواضعا جداً ولكن مالبث أن ازدادت أعدادهن باطراد وأصبح لهن المكانة التي تليق بدورهن الفاعل والمؤثر في المجتمع.  أما في مجال الأدب النسائي تحديدا فمن فزن بجائزة نوبل في الأدب هن أربعة عشرة مبدعة في فنون الرواية والقصة والصحافة والشعر كانت آخرهن هذا العام ٢٠١٥ وهي الكاتبة وصحافية التحقيقات البلاروسية سفيتلانا أليكسيفيتش (Svetlana Alexievich) وذلك لكتاباتها : "...  المتعددة الأصوات، التي تعد معلما يذكر بالمعاناة والشجاعة في عصرنا".  ومن مؤلفاتها "وجه الحرب الغير أنثوي" (١٩٨٥) و "مسحور بالموت" (١٩٩٤) و "أصوات من شرنوبل" (١٩٩٧).  أما كاتبة القصة القصيرة الكندية أليس مانرو (Alice Munro) المولودة عام ١٩٣١ فقد نالتها عام ٢٠١٣ وذلك، كما قَدّم لها المحاضر في حفل التكريم السنوي في ستوكهولم :"... لريادتها المتميزة في كتابة القصة القصيرة المعاصرة."  ومن مؤلفات مانرو "حياة البنات والنساء" (١٩٧١) و "سعادة غامرة" (٢٠٠٩) و "الحياة العزيزة" (٢٠٠٢).  وفي عام ٢٠٠٩ فازت الكاتبة الرومانية هيرتا مولر (Herta Müller) المولودة عام ١٩٥٣ بجائزة نوبل في الأدب وذلك :"... لاستخدامها التركيز الشعري والصراحة النثرية في تصوير المحرومين".  ومن مؤلفات مولر "التانغو القامعة" (١٩٨٤) "والميعاد" (١٩٧٧) و "ملاك الجوع" (٢٠٠٩).  أما في عام ٢٠٠٧ فقد نالت المؤلفة المبدعة البريطانية دوريس لسنج (Doris Lessing) ) (١٩١٩ - ٢٠١٣) الجائزة وذلك لما صاغته : "... تلك الروائية في ملحماتها ذوات التجربة النسائية والتي أخضعت من خلالها حضارة منقسمة علي ذاتها للتدقيق الحصيف وبحمية وبقوة وبصيرة".  مؤلفات هذه الكاتبة كثيرة وإنني أشيد بالموقع الخاص بها فيما يخص التنظيم وغزارة المعلومات عنها وعن أعمالها.  من مؤلفات لسنج "الكتاب الذهبي" (١٩٦٢) و "الصيف ما قبل الظلام" (١٩٧٣) و "المدينة ذات الأبواب الأربعة" (١٩٦٩).  أما عام ٢٠٠٤ فكان للأدب النسائي نصيب في هذه الجائزة إذ حازت عليها الروائية وكاتبة المسرح النمساوية  ألفريدي جيلينك (Elfriede Jelinek) عام ٢٠٠٤ والمولودة عام ١٩٤٦ وذلك :"...  للإنسياب الموسيقي لزخم من الأصوات والأصوات المضادة في رواياتها ومسرحياتها لتظهر وبحماسة لغوية غير عادية غرابة المصطلحات المجتمعية المستخدمة وكيف يتم تطويعها".  من مؤلفاتها مجموعتها الشعرية "طيف ليسا" (١٩٧٦) و الرواية "أستاذ البيانو" (١٩٨٣) و "الجشع" (٢٠٠٠).  في عام ١٩٩٦ كانت الفائزة بالجائزة الشاعرة والناقدة البولندية ويسلاوا تسيمبورسكا (Wislawa Szymborska) (١٩٢٣ - ٢٠١٢) وذلك : "...  لشاعريتها التي تسخر بدقة وتجعل النص يسلط الضوء علي حنايا الواقع الإنساني".  ومن مؤلفات هذه الشاعرة "لهذا نحن أحياء" (١٩٥٢) و "أُناس علي الجسر" (١٩٨٦) و "النهاية والبداية" (١٩٩٣).  أما الكاتبة الملهمة والمبدعة الأميركية السوداء توني موريسون (Toni Morrison) المولودة عام ١٩٣١ فقد منحت هذه الجائزة : "...  لرواياتها المتسمة ببصيرة  ثاقبة وشاعرية آسرة فقد بثت الحياة في جانب مهم من الواقع الأميركي".  من مؤلفاتها "العين الشديدة الزُّرقة" (١٩٧٠) و "الحبيب" (١٩٨٧) و "الفردوس"(١٩٩٧).  كان أيضاً نصيب الأدب النسائي الفائز في عام ١٩٩١ فمُنحت جائزة نوبل في الأدب للكاتبة من جنوب أفريقيا  نادين جورديمر ( Nadine Gordimer) (١٩٢٣ - ٢٠١٤)  وذلك لما لكتاباتها من تأثير بالغ علي مواضيع إنسانية هامة وقال المحاضر في حفل تكريمها أنها :"... خلال كتاباتها الملحمية الرائعة - كما ورد في كلمات ألفرد نوبل - قد قدّمت منفعة عظمي   للإنسانية". و من مؤلفاتها "أيام الرياء" (١٩٥٣) "شعب أغسطس" (١٩٨١) و "منزل البارود" (١٩٩٨).
 
في العام ١٩٦٦ نالت الشاعرة السويدية نيللي ساكس ( Nelly Sachs) (١٨٩١ - ١٩٧٠) مناصفة مع كاتب آخر جائزة نوبل في الأدب وذلك : "... لكتاباتها الشعرية والدرامية".  ومن مؤلفات الكاتبة ساكس "في مساكن الموت" (١٩٤٧) و "علامات في الرمل" (١٩٦٢) و "منظر من الصراخ" (١٩٦٦) و "البحث عن أحياء" (١٩٧٩).  وفي عام ١٩٤٥ مُنحت الكاتبة التشيلية جبريللا ميسترال (Gabriela Mistral) (١٨٨٩ - ١٩٥٧) الجائزة وذلك، كما ذكر المحاضر في تقديمه لهذه الفائزة، فقال : "... لشِعرها الغنائي الذي تُلْهِمه العواطف القوية والذي جعل من اسمها رمزا للتطلعات المثالية لعالم اللاتينية بأكمله."  ومن مؤلفات هذه المبدعة في الأدب "اليأس" (١٩٢٢) و "قراءات للنساء" (١٩٢٣) و "الحصاد" (١٩٣٨).  وفي عام ١٩٣٨ نالت الكاتبة الأميركية المعروفة بيرل باك (Pearl Buck) (١٨٩٢ - ١٩٧٣) جائزة نوبل في الأدب فكان تميزها يكمن في : "... وصفها الثري والملحمي لحياة الفلاحين في الصين ولكتاباتها المتميزة في مجال السِيَر الذاتية".  بعض من كثير من كتب هذه الكاتبة الكتاب الذائع الصيت "الأرض الطيبة" (١٩٣١) و "ريح الشرق وريح الغرب" (١٩٤٩) و "الشعب الياباني: نظرة فاحصة في حياتهم اليومية" (١٩٦٩).
 
 سبقت باك في نيل هذه الجائزة العالمية عام ١٩٢٨ الكاتبة النرويجية سيغرد أوندست (Sigrid Undset) (١٨٨٢ - ١٩٤٩) وذلك : ... لوصفها القويّ (المؤثر) للحياة في النرويج إبان العصور الوسطي".  ومن مؤلفاتها الثلاثية "كريستين لاڤنستادر" (١٩٢٠ - ١٩٢٢) و " رجال ونساء وأماكن" (١٩٣٩) و "أيام سعيدة في النرويج" (١٩٤٢).  أماالفائزة بجائزة نوبل في الأدب عام ١٩٢٦فمنحت للكاتبة الإيطالية جراتسيا ديليدا (Grazia Deledda) (١٨٧١ - ١٩٣٦) فقد برعت في صياغة أدب روائي من نوع خاص فنالت عليه هذا التكريم إذ : "... لكتاباتها ذات النزعة المثالية التي تصور بوضوح الحياة علي الجزيرة (جزيرة سردينيا) التي كانت موطنها الأصلي لتعالج من خلال أدبها بعمق وبوجدانية المشاكل البشرية بشكل عام". ًمن مؤلفات ديليدا "بعد الطلاق" (١٩٠٢) و "الرماد" (١٩٠٤) و "الأم" (١٩٢٠). 
 
نصل في رحلتنا الأدبية الموجزة هذه والمركزة في رحاب الأدب النسائي العالمي الفسيح وجائزة نوبل عند آخر محطة ولكنها البداية لتكريم المبدعات في الأدب النسائي العالمي لنتعرف علي أول كاتبة حازت علي جائزة نوبل في الأدب ومن بعدها افتتحت أبواب كانت موصدة أمام الإبداع الفكري والأدبي عند المبدعات من النساء.  ففي حقل الأدب وفروعه كانت أول جائزة تمنح من نصيب السويدية - من نفس موطن المانح لهذه الجائزة ألفرد نوبل - سلمي لاغرلوف (Selma Lagerlöf) (١٨٥٨ - ١٩٤٠) عام ١٩٠٩ وذلك بعد ثمانية أعوام من تاريخ البدء بمنح هذه الجائزة  في العلوم والآداب.   استحقت الكاتبة لاغرلوف هذا التكريم و بجدارة لتميزها وإعجاب قراءها : " ...  بالمثالية النبيلة والخيال الحيّ والنظرة الروحية" كما أشار المحاضر في كلمته في حفل التكريم السنوي في ستوكهولم.  ومن مؤلفات لاغرلوف "الروابط الخفية" (١٨٩٤) و "القدس" (١٩٠١) و ثلاثية "الخاتم" (١٩٢٥ - ١٩٣١).  
                                             
وبهذا السرد التعريفي الموجز للنساء المبدعات الأربعة عشرة في سماء الفكر و الأدب في العالم ممن فُزن بجائزة نوبل في الأدب منذ بدء منحها عام ١٩٠١ و حتي عام ٢٠١٥ ومالهن من إسهامات أدبية ضخمة تجاوزت المئات من المؤلفات - فمجمل جهودهن الأدبية حتما تتخطي حدود هذا البحث الضيق بكثير - نجدأنفسنا كقراء وباحثين، وكما تبين لي خلال إعدادي لهذه الورقة،  أمام صروح سامقة من كنوز معرفية متنوعة تغطي أرجاء المعمورة بأكملها زاخرة بالثراء الفكري  وبالعمق وبغزارة مما يحثنا ويحفزنا علي أن ننهل من معينها مااستطعنا ومع تنشيط حركة الترجمة الجيدة الصحيحة إلي العربية و المبنية علي أسس لغوية سليمة فلاشك أن الكثير من هذه الكنوز الأدبية العالمية ستصبح في متناول الجميع.